جيرار جهامي ، سميح دغيم

1190

الموسوعة الجامعة لمصطلحات الفكر العربي والإسلامي ( تحليل ونقد )

حين يحلّ بالعمران ( أو التاريخ ) تغيّر جذري لا يترجم على مستوى الخطاب . لا سيما حين يستقرّ التقليد ، آنذاك يكرّر المؤرّخون وهم في غفلة تامة ، إنتاج أخبار وأنماط من ماض بائد ، فيخلدون الخطأ والخطاب المجرّد الذي يحمله . ( علي أومليل ، منهجية ابن خلدون ، 213 ، 8 ) . * تعليق * في التاريخ - إن الخطاب التاريخي هو الشقّ المتعلّق بالتنظير التاريخي ، أي الارتقاء إلى مستوى إنتاج نظرية للتاريخ . كان التاريخ منذ البداية يعتمد الرواية والإسناد منهجا . ونعني بالإسناد إرجاع الأخبار والروايات إلى أشخاص معروفين وموثوقين ، فنقول إن الخبر مسند أي مرويّ عن رجال ثقة في الأخبار . هذه المنهجية في رواية الأحداث التاريخية ، قد تغني التاريخ بالمعلومات وتجعل من الإنتاج التاريخي على مستوى مادته غنيّا . لكن هذا الغنى في الإنتاج المادي لم يلحقه تطوّر كيفي على مستوى إنتاج نظرية للتاريخ مبتكرة ومجدّدة . إن إنتاج خطاب تاريخيّ بالمعنى الحديث لم يبدأ إلّا مع ابن خلدون عند نقده منهج الإسناد المتكئ على منهج التقليد ذي الصبغة الدينية . وهكذا يبدو التاريخ سردا لأحداث جامدة لا نفتّش عن أسبابها ولا عن العوامل المؤثّرة فيها وبها . لقد تأخّر ظهور الخطاب التاريخي بالرغم من غنى مادته . والخطاب التاريخي هذا عند ابن خلدون تقوم قاعدته النظرية على القوانين التي تحكم حركة العمران البشري . هذه القوانين هي التي تؤسّس معيار صحّة الأخبار وتفسير التغيّرات اللاحقة بالأحداث . ليس الإسناد إذا هو الذي يثبت صحّة الخبر ، بل إنه يزيد من تراكم المادة التاريخية الجامدة غير المفيدة في كيفية تفسير الأحداث . إن عملية التاريخ ، وخضوعه لقواعد وقوانين العمران البشري في مختلف مراحله ومستوياته ، هو الذي يمهّد لوجود خطاب تاريخي صادق ويقعّد للنظرية في التاريخ . خطاب التنوير العربيّ * في الفكر النقدي - تبدو القراءة المتعمّقة لخطاب التنوير العربي ، في خضمّ الصراعات الفكرية الراهنة في مشرق العالم العربي ومغربه ، من المهمّات التي تتزايد أهمّيتها وفائدتها . وذلك في مواجهة فئتين على الأقلّ من الناس : فئة الذين لا يرون لخطاب التنوير العربي قيمة تذكر بالنسبة إلى التراث العربي الإسلامي القديم ، وفئة الذين لا يرون له قيمة راهنة بعد أن سادت الثورة وتجاوزت آفاق النهضة وتعثّراتها . الفئة الأولى تسعى بصورة أو بأخرى ، إلى طمس خطاب التنوير العربي لارتباطها الوثيق برؤية للعالم تكوّنت قبل العصور الحديثة ؛ والفئة الثانية تسعى إلى طمسه لاعتبارها أنه لعب دوره وانته زمانه . إلّا أن الأزمة العميقة التي تمرّ بها الشعوب العربية ، على اختلاف أنظمتها وأوضاعها ، لا تسعف الفئتين في موقفهما من خطاب